الاثنين، 10 ديسمبر، 2012

من فضائل أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها


1- التعريف بها: هِيَ أمُّ المؤمنينَ أمُّ عبدِالله: عائشةُ بنتُ الإمام الصِّدِّيق الأكْبر، خليفةِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أبِي بَكْرٍ عبدِالله بنِ أبي قُحَافةَ عثمانَ بنِ عامرِ بن عمرو بن كعْب بن سعْد بن تَيْم بن مُرَّة، بن كعْب بن لُؤيٍّ; القرشيَّة التيميَّة، المكيَّة، النبويَّة، أم المؤمنين، زَوْجة النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أفْقَه نِساءِ الأُمَّة على الإطلاق.
وأمُّها هي: أُمُّ رُومانَ بنتُ عامرِ بن عُوَيمر، بن عبدِ شمْس، بن عتاب ابن أُذينة الكِنانية.
هاجَر بعائشةَ أبواها، وتزوَّجها نبيُّ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قبل مهاجرِه بعدَ وفاة الصِّدِّيقة خديجة بنت خُوَيلد، وذلك قبلَ الهِجرة ببضعة عشَرَ شهرًا، وقيل: بعامين، ودخَل بها في شوَّال سَنةَ اثنتين منصرفَه - عليه الصلاة والسلام - مِن غزوةِ بدر، وهي ابنةُ تِسْع، فرَوَتْ عنه عِلمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وعن أبيها، وعن عمر، وفاطمة، وسعْد، وحمْزَة بن عمرو الأسْلمي، وجُدَامَةَ بنتِ وهْب..\" [1].

2- حبُّ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لها: اختارَها الله لنبيِّه، حيثُ رآها في المنام، كما جاء في الصحيحَيْن - واللَّفْظ لمسلِم - عن عائشةَ قالتْ: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أُريتكِ في المنام ثلاثَ ليالٍ، جاءَني بكِ المَلَك في سَرَقةٍ (قطعة) مِن حريرٍ، فيقول: هذه امرأتُك، فأَكْشِف عن وجْهِكِ، فإذا أنتِ هي، فأقول: إنْ يَكُ هذا مِن عندَ الله يُمضِه)).
وعن عمرِو بن العاص - رضي الله عنه - قال: بعَثَني رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على جيشِ ذاتِ السلاسل، قال: فأتيتُه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: ((عائشة))، قال: قلت: فمِن الرِّجال؟ قال: ((أبوها إذًا))، قال: قلت: ثُمَّ مَن؟ قال: ((عمر))، قال: فعدَّ رِجالاً\"؛ أخرجه الشيخان.

3- دعاءُ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لها: عن عائشةَ قالت: لمَّا رأيتُ مِن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - طِيبَ النَّفْس قلت: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ لي، فقال: ((اللهمَّ اغفرْ لعائشةَ ما تقدَّم مِن ذنبِها وما تأخَّر، وما أسَرَّتْ وما أعْلَنتْ))، فضحِكتْ عائشةُ حتى سقَط رأسها في حجْرِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الضحِك، فقال: ((أيَسرُّكِ دُعائي؟))، فقالت: وما لي لا يَسرُّني دعاؤك؟! فقال: ((واللهِ إنَّها لدَعْوَتي))؛ أخرجه البزَّار في مسنده، وحَسَّنه الألباني.

4- ثناءُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصحابته عليها: عن أبي موسى الأشعريِّ - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كَمَلَ منَ الرِّجال كثيرٌ، ولم يَكْمُلْ منَ النِّساءِ إلاَّ مريمُ بنتُ عِمرانَ، وآسِيةُ امرأةُ فِرعونَ، وفضْلُ عائشةَ على النِّساءِ كفَضْل الثَّرِيدِ على سائرِ الطعام))؛ صحيح البخاري.

وعَنْ عَائِشَةَ - رضِي الله عنها - قَالَتْ: قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَوْمًا: ((يا عائِشَ، هَذا جبْريلُ يُقْرِئُكِ السَّلاَم))، فَقُلْتُ: وَعليه السلام ورحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُه، تَرَى ما لا أَرى - تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ، صلَّى الله عليه وسلَّم؛ رواه الشيخان - البخاريُّ ومسلم.
وعن الحَكمِ: سمعتُ أبا وائلٍ قال: \"لَمَّا بعَثَ عليٌّ عَمَّارًا والحسنَ إلى الكوفَة؛ ليستَنفِرَهم، خَطبَ عمَّارٌ فقال: إنِّي لأعلمُ أنَّها زوجتُهُ في الدُّنيا والآخِرة، ولكنَّ اللَّهَ ابتَلاكم؛ لتتبعوهُ أو إيَّاها\"؛ رواه البخاري.
وعَنْ أَنَسِ بن مالكٍ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَقولُ: ((فَضْلُ عائِشَةَ على النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ على الطَّعام))؛ رواه الشيخان - البخاري ومسلم.

5- عبادتها وزُهدها: وقد كانتْ أُمُّ المؤمنين كثيرةَ الصيام، حتى ضعُفت، كما جاء في السِّيَر للذهبي - رحمه الله تعالى - عن عبدِالرحمن بن القاسِم، عن أبيه: أنَّ عائشةَ كانتْ تصوم الدَّهْر.
كما كانتْ زاهدةً في الدنيا، فعَنْها قالت: \"ما شَبِع آلُ محمَّد يومَيْن من خُبزِ بُرٍّ إلا وأحدهما تَمْر\"؛ متفق عليه.
وعن عطاء: أنَّ معاويةَ بعَث إلى عائشةَ بقِلادةٍ بمائةِ ألْف، فقسمتْها بيْن أمَّهات المؤمنين، وعن عُروةَ، عن عائشة: أنَّها تصدَّقتْ بسَبْعِين ألفًا; وإنَّها لتُرقِّع جانبَ دِرْعها - رضي الله عنها.
وعن أُمِّ ذَرَّة، قالت: بعَث ابنُ الزبير إلى عائشةَ بمالٍ في غِرَارتَيْن، يكون مائة ألْف، فدَعَتْ بطَبق، فجعَلتْ تقسم في الناس، فلمَّا أمسَت، قالت: هاتِي يا جاريةُ فُطوري، فقالت أمُّ ذَرَّة: يا أمَّ المؤمنين، أمَا استطعتِ أن تشتري لنا لحمًا بدِرْهم؟! قالت: لا تُعنِّفيني، لو أذْكْرِتني لفعلتُ[2].

6- فِقهُ وعِلم أمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -: قال الزُّهريُّ: لو جُمِع عِلمُ عائشة إلى عِلمِ جميعِ النساء، لكان علمُ عائشةَ أفْضلَ[3].
كما أنَّ الله قد وهَبَها الذكاءَ والفِطنة، وسُرعةَ الحافظة، قال ابن كثير: \"لم يَكُن في الأُممِ مثلُ عائشةَ في حِفْظها وعِلْمها، وفصاحتِها وعَقْلِها\"، ويقول الذهبيُّ: \"أفْقَهُ نِساء الأمَّة على الإطلاق، ولا أعْلمُ في أمَّة محمَّد، بل ولا في النِّساء مطلقًا امرأةً أعلمَ منها\".
وقدْ تجاوز عددُ الأحاديث التي روتْها ألْفَيْن ومائة حديث عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهي مُشتَهِرة في كُتُب السُّنَّة: البخاري ومسلم، والسُّنن والمسانيد، وغيرها؛ قال الحافظُ الذهبيُّ: مُسْنَد عائشة يبلُغ ألْفَين ومائتين وعشرة أحاديث؛ اتَّفق البخاريُّ ومسلمٌ لها على مائةٍ وأربعةٍ وسبعين حديثًا، وانفرَد البخاريُّ بأربعةٍ وخمسين، وانفرد مسلِمٌ بتِسعة وستِّين[4].
ويقول عُروةُ بنُ الزُّبَيْر: \"ما رأيتُ أحدًا أعلمَ بفِقه، ولا بِطبٍّ ولا بِشِعر من عائشةَ - رضي الله عنها\"، وقال فيها أبو عُمرَ بنُ عبدالبرِّ: \"إنَّ عائشةَ كانتْ وحيدةً بعصرها في ثلاثةِ علوم: علم الفقه، وعلم الطب، وعلم الشِّعر\".
كما كانتِ المرجعَ الكبيرَ لكِبار الصحابة، خاصَّة عندَ المواقف والملمَّات، كما كانتْ تُفتي بما لدَيْها من عِلمٍ وفِقه في عهد الخليفةِ عمرَ وعثمانَ - رضي الله عنهما - إلى أن تُوفِّيت - رحمها الله ورضي عنها.

7- نزول برائتِها مِن حادثة الإفْك من عندَ الله تعالى: وقدْ تعرَّضَتْ - رضِي الله عنها - إلى ابتلاءٍ شديد، وفِتْنةٍ كبيرة، حيث طَعَن في شرَفِها وعِرْضها المنافقون في المدينة، فأنْزَل الله براءتَها من فوقِ سبعِ سموات، وقد قالتْ - رضي الله عنها - كما في الصحيحين: \"... ثُمَّ تحولتُ واضطجعتُ على فِراشي، والله يعلم أنِّي حينئذٍ بريئةٌ، وأنَّ الله مُبرِّئي ببراءتي، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله منزلٌ في شأني وحيًا يُتْلَى، لشأني في نفْسي كان أحْقرَ مِن أن يتكلَّم الله فيَّ بأمْر، ولكن كنتُ أرْجو أن يرَى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في النومِ رُؤيَا يُبرِّئني الله بها، فواللهِ ما رام رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مجلسَه، ولا خرَج أحدٌ مِنْ أهل البيت حتَّى أُنزِل عليه، فأخَذَه ما كان يأخُذُه من البُرَحَاء، حتى إنَّه ليتحدَّر منْه مِن العَرَق مثل الجُمَان، وهو في يومٍ شاتٍ مِن ثِقَلِ القوْل الذي أُنزِل عليه.
قالت: فَسُرِّي عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يَضْحَك، فكانتْ أوَّل كَلمةٍ تَكلَّم بها أنْ قال: ((يا عائشةُ، أمَّا اللهُ فقدْ بَرَّأكِ))، قالت: فقالتْ لي أُمِّي: قُومِي إليه، فقلتُ: واللهِ لا أقومُ إليه، فإنِّي لا أحْمَدُ إلاَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ.
قالت: وأنزَل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾ [النور: 11] الآيات...\".
قال ابنُ كثير: \"فغار اللهُ لها وأنْزَلَ براءتَها في عشْر آياتٍ تُتلى على الزمان، فسَمَا ذِكْرُها، وعلا شأنُها؛ لتسمعَ عفافَها وهي في صِباها، فشَهِدَ الله لها بأنَّها مِنَ الطَّيِّبات، ووعدَها بمغفرةٍ ورِزق كريم\".
ومَع هذه المنزِلَةِ العالية، والتبرِئة العالية الزكيَّة مِنَ الله تعالى، تَتَواضَعُ وتقول: \"ولَشَأنِي في نفْسي أهونُ مِن أن يُنزِل الله فيَّ قرآنًا يُتْلَى\"!

8- خصائص أمِّ المؤمنين - رضي الله عنها -: قال ابنُ القيِّم - رحمه الله -:
ومِن خصائصها: أنَّها كانتْ أحبَّ أزواج رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إليه، كما ثبَت عنْه ذلك في البخاريِّ وغيره، وقد سُئِل: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: ((عائشة))، قيل: فمِن الرِّجال؟ قال: ((أبوها)).
ومِن خصائصها أيضًا: أنَّه لَمْ يتزوَّج امرأةً بِكرًا غيرها، ومن خصائصها: أنَّه كان يَنزِل عليه الوحيُ وهو في لحافِها دونَ غيرِها، ومِن خصائصها: أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - لَمَّا أنزل عليه آيةَ التخيير بدأ بها فخيَّرها، فقال: ((ولا عليكِ ألاَّ تَعْجَلي حتى تستأمري أَبَوَيك))، فقالت: أفِي هذا أسْتَأمِر أبوي؟! فإنِّي أُريد اللهَ ورسولَه والدارَ الآخِرة، فاستنَّ بها - أي: اقتَدَى - بقيةُ أزواجه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقُلْنَ كما قالتْ.
ومِن خصائصها: أنَّ الله سبحانه برَّأها ممَّا رماها به أهلُ الإفك، وأنْزَل في عُذرِها وبراءتِها وحيًا يُتْلَى في محاريبِ المسلمين وصلواتهم إلى يومِ القيامة، وشَهِد لها بأنَّها مِنَ الطيِّبات، ووعَدَها المغفرةَ والرِّزقَ الكريم، وأخْبَر سبحانه أنَّ ما قيل فيها مِنَ الإفك كان خيرًا لها، ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شَرًّا لها، ولا عائبًا لها، ولا خافضًا مِن شأنها، بل رَفَعها الله بذلك وأعْلى قدْرَها، وأعْظَمَ شأنها، وصار لها ذِكرًا بالطيب والبراءة بيْن أهلِ الأرض والسماء، فيا لها مِن مَنْقَبة ما أجلَّها!
ومِن خصائِصها - رضي الله عنها -: أنَّ الأكابرَ مِنَ الصحابة - رضي الله عنهم - كان إذا أَشْكَل عليهم أمرٌ مِن الدِّين استفتوها فيَجِدون عِلمَه عندَها.
ومِن خصائصها - رضي الله عنها -: أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - تُوفِّي في بيتها، وفي يومِها، وبيْن سَحْرِها ونَحْرها، ودُفِن في بيتها.
ومِن خصائصها - رضي الله عنها -: أنَّ الناسَ كانوا يتحرَّوْن بهداياهم يومَها مِن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - تقربًا إلى الرسولِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيُتْحفونَه بما يحبُّ في منزلِ أحبِّ نسائِه إليه - صلَّى الله عليه وسلَّم ورضي الله عنهنَّ أجمعين[5].

وقال الإمام بدرُ الدِّين الزَّرْكشيُّ في \"الإجابة لإيراد ما استدركتْه عائشةُ على الصحابة\" - وهو يَتكلَّم في خصائصها، رضي الله عنها - الأربعين، قال: \"والخامِسة - أي: مِن الخصائص -: نزول براءتِها منَ السماء بما نَسَبه إليها أهلُ الإفك في ستَّ عشرةَ آية متوالية، وشَهِد لها بأنَّها من الطيِّبات، ووعَدها بالمغفرةِ والرِّزق الكريم، قال: والسادس: جَعله قُرآنًا يُتْلَى إلى يومِ القيامة؛ أي: الآيات التي نزلَتْ في براءتِها.
وقال - في العاشرة -: وجوب محبَّتِها على كلِّ أحد، ففي الصحيح: لمَّا جاءتْ فاطمة - رضي الله عنها - إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لها: ((ألسْتِ تُحبِّين ما أُحبُّ؟)) قالت: بلى، قال: ((فأَحبِّي هذه - يعني: عائشة))، وهذا الأمْرُ ظاهِرُه الوجوب.
وقال - في الحادية عشرة -: إنَّ مَن قذَفها فقَدْ كفَر؛ لتصريحِ القرآن الكريم ببراءتِها، وقال - في الثانية عشرة -: مَن أنْكَر كونَ أبيها أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق - رضي الله عنه - صحابيًّا كان كافرًا، نصَّ عليه الشافعيُّ، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40]، ومُنكِر صُحْبةِ غير الصَّدِّيق يَكْفُر لتكذيبه التواتُر[6]؛ انتهى مختصرًا.

9- وفاتها - رضي الله عنها -: تُوفِّيت - رضي الله عنها وأرْضاها - سَنةَ سَبْعٍ وخمسين على الصحيحِ، وقيل: سَنَة ثمان وخمسين، في ليلةِ الثلاثاء لسَبْعَ عشرةَ خَلَتْ مِن رمضان بعدَ الوتر، ودُفنت من ليلتها، وصلَّى عليها أبو هريرة، بعدَ أن عمرتْ ثلاثًا وستين سَنَة وأشهرًا - كما ذَكَر الذهبيُّ في \"السِّير\"[7].

10- حُكم الإسلام فيمَن سبَّ أمَّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -: قال تعالى في تزكيةِ أمِّ المؤمنين ومكانتِها وغيرِها من زوجاتِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾[الأحزاب: 6].
وقدْ أجْمَع علماءُ الإسلام قاطبةً مِن أهل السُّنَّة والجماعة على أنَّ مَن سبَّ أمَّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - ورَماها بما برَّأها الله منه أنه كافِرٌ، ورُوي عن مالكِ بن أنس أنَّه قال: مَن سَبَّ أبا بكرٍ وعُمرَ جُلِد، ومَن سَبَّ عائشةَ قُتِل، قيل له: لِمَ يقتلُ في عائشة؟ قال مالك: فمَن رماها فقدْ خالَفَ القرآن، ومَن خالف القرآنَ قُتِل.
قال أبو مُحمَّد ابنُ حزْم الظاهريُّ - رحمه الله-: قول مالك هذا صحيحٌ، وهي رِدَّة تامَّة، وتكذيبٌ لله تعالى في قَطْعِه ببراءتها.
وقال أبو الخطَّابِ ابنُ دِحية في أجوبة المسائل: وشَهِد لقول مالك كتابُ الله، فإنَّ الله إذا ذَكَر في القرآن ما نَسَبه إليه المشرِكون سبَّح نفسَه لنفسِه، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ﴾ [الأنبياء: 26]، والله تعالى ذَكَر عائشةَ، فقال: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 16]، فسبَّح نفْسَه في تنزيهِ عائشةَ، كمَا سبَّح نفسَه لنفسِه في تنزيهه؛ حكاه القاضي أبو بكر ابن الطيِّب[8].
وقال أبو بكر ابنُ زياد النيسابوريُّ: سَمعتُ القاسمَ بنَ محمَّد يقول لإسماعيلَ بن إسحاقَ: أُتِي المأمون في (الرَّقة) برَجلين شَتَم أحدُهما فاطمةَ، والآخَرُ عائشةَ، فأمَر بقَتْل الذي شتَم فاطمةَ وترَك الآخَر، فقال إسماعيلُ: ما حُكْمُهما إلاَّ أن يُقتلاَ؛ لأنَّ الذي شتَم عائشةَ ردَّ القرآن.

قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية - رحمه الله - تعقيبًا عليه: وعلى هذا مضَتْ سِيرةُ أهل الفِقه والعِلم مِن أهل البيت وغيرِهم.
وقالَ ابنُ العربيِّ - رحمه الله -: كلُّ مَن سبَّها بما برَّأها الله منه فهو مُكذِّب لله، ومَن كذَّب الله فهو كافِر.
وقال ابن قُدامة: فمَن قذَفها بما بَرَّأها الله منه فقدْ كفَر بالله العظيم.
وقال الإمامُ النوويُّ - رحمه الله -: براءةُ عائشة - رضي الله عنها - مِنَ الإفْك، وهي براءةٌ قطعية بنصِّ القرآن العزيز، فلو تَشكَّك فيها إنسانٌ - والعياذ بالله - صار كافرًا مرتدًّا بإجماعِ المسلمين.
وقال ابنُ القيِّم - رحمه الله -: واتَّفقتِ الأُمَّة على كُفْر قاذفِها.
وقد رُوِي عَنْ عَمْرِو بنِ غالِبٍ: أنَّ رَجُلاً نالَ مِنْ عائِشَةَ عندَ عَمَّارٍ، فقالَ: اغْرُبْ مَقْبوْحًا، أَتُؤذِي حَبِيبةَ رَسُول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم؟! قال الذهبيُّ في السِّيَر: صحَّحَه الترمذيُّ في بعضِ النُّسخ، وفي بعضِ النُّسخ قال: هذا حديثٌ حسَن.


كاتب إسلامي – ومشرف موقع طريق المصلحين
بريد – sheikhatef@maktoob.com
من فضائل أم المؤمنين
عائشة - رضي الله عنها - ومناقبها
حبيبة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم
الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي

الخميس، 22 نوفمبر، 2012

طفل عند قبر امه




طفل مستواه ضعيف في المدرسة '
ذهب إلى قبر أمه و قال:
تعالي يا آمٌي معي
فإنّ المعلمّ دائمآ يضربني .. !
و أمام جميع التّلاميذ يبكيني
ويقول لي دائمآ: أمك امرأة
مهملة فهي لا تهتمّ بك

كن حذراً فبعض الكلام

( يقتل ) ..

الخميس، 15 نوفمبر، 2012

بنت "الخليفة" و"الخليفة" جدها، وأخت "الخلفاء" والخليفة زوجها


الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ما الذي يجعل من امرأة تفردت في الوصف بكونها بنت "الخليفة" و"الخليفة" جدها، وأخت "الخلفاء" والخليفة زوجها تتخلى عن حياة الأميرات المدللات المنعمات بنعيم القصور وتختار حياة التقشف والشظف ؟ ومَنْ تلك التي ترضى بهذا التحول المفاجئ من سيدة آمرة ناهية إلى امرأة بسيطة تغسل ثوب زوجها، وتعجن العجين وتطهو الطعام بلا خدم ولا حشم؟ إنه الطمع فيما عند الله الذي يبدد الطمع فيما سواه، ويجعل من زخارف الدنيا وزينتها – مهما كثرت- شيئا هينا لا قيمة له ولا وزن، إذا ما قُورن بالنبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون.
تلك هي قصة السيدة فاطمة بنت عبد الملك زوج الخليفة الراشدي سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
على أثر أمهات المؤمنين

لم يكن التوجيه الرباني لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بإيثار الله ورسوله والدارة الآخرة على الدنيا وزخرفها إلا ليَكُن، رضي الله عنهن، ذلك النموذج الخالد لنساء الدهر باختلاف أزمانهن وظروفهن وحال معاشهن.. وذلك في قوله عز وجل:" يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن و أسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما" الأحزاب، الآيتنان29-28.
والناظر في تاريخ النساء اللواتي تعرضن لمثل هذا الاختبار الصعب حقا، لا يمر إلا ويستوقفه الموقف الخالد للسيدة فاطمة بنت عبد الملك رحمها الله. التي وُهبت من الحسن والجمال والحظوة والجاه ما يجعلها من أكثر النساء انسياقا مع زينة الدنيا وزخرفها. لكن الله عز وجل منّ عليها بأن كانت على أثر أمهات المومنين رضي الله عنهن.
إذ بين عشية وضحاها يَختار لها القدر الرباني عيشة المساكين والفقراء.. فتدور رحمها الله مع قدر الله حيث دار غير ضَجرة ولا متبرمة بعد أن تخلت صحبةَ زوجها عمر بن عبد العزيز عن حياة الملوك والقصور.. ويدخل عليها رضي الله عنه في يوم من أيام خلافته، فإذا بها تخيط ثوبه بيدها فتذكر تلك الأيام التي كانت فيها في قصر السلطنة منعمة مكرمة تعيش في رغد من العيش، تشير ببنانها فتلبي الجواري إشارتها وتتمنى وسرعان ما تتحقق أمنيتها. فأراد أن يداعبها ويخفف عنها فدنا منها وقال:" يا فاطمة لنحن في ليالي دابق أنعم منا اليوم"، فقالت فاطمة للخليفة الذي يرتدي أخشن الثياب:" والله ما كنت على ذلك يومئذ أقدر منك اليوم". فقال:" يا فاطمة، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم" فسكتت رضي الله عنها قانعة راضية.

طاعة من طاعة الله ووفاء نادر

عاشت السيدة فاطمة وزوجها الفاضل على نهج الخلفاء الراشدين ونمط حياتهم في العيش والاعتماد بعد الله تعالى على كد اليد بعيدا عن أموال المسلمين. وبقيت رحمها الله معه على ذلك حتى آخر لحظات حياته. وتستمر رضي الله عنها مخلصة وفية لزوجها حتى بعد وفاته. فبعد رحيله رضي الله عنه إلى ربه، آل أمر السلطان من بعده إلى أخيها يزيد بن عبد الملك الذي رَدَّ إليها أموالَها وجواهرَها، لكنها أبت أن تأخذها، فإن كان عمر قد رحل فإن وجه الله باق وأجابته قٌائلة :"والله لا أطيعه حيا وأعصيه ميتا". وفي رواية :" فرد عليها أخوها يزيد بن عبد الملك ذلك فامتنعت من أخذه وقالت:" ما كنت لأتركه ثم آخذه. فقسمه يزيد بين نسائه ونساء بنيه".1 ( : من كتاب " سيرة عمر بن عبد العزيز عبد الله بن الحكم، على ما رواه الإمام أنس وأصحابه.

فاطمة مدرسة للاقتداء

كانت السيدة فاطمة بنت عبد الملك رحمها الله كما وصفها أصحاب السير، تقية وَرعَة في دين الله، متواضعة في عزّة، صابرة على الطاعة ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ذات عقل وتدين كبير، أديبة "تحفظ الشعر والنثر إلى جانب ما تيسر من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، صحبت زوجها فأحسنت صحبته حيا وميتا، ولها معه مواقف رائعة جعلتها مثالا للمرأة المسلمة والزوجة الصالحة، وقدوة مضيئة لمن أراد أن يقتدي بسيدة فاضلة" ابن كثير، البداية والنهاية 9/201.
فاستحقت بحق أن تكون مدرسة نتعلم منها مناقب الخير، وعلى رأسها خصلة إيثار ما عند الله، وفضيلة الصبر على المحن، والتسليم بالقضاء والقدر، ومعاشرة الزوج بما يرضي الله تعالى وَفْقَ المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. إنها بحق نموذج للصالحات القانتات الحافظات للغيب بما حفظ الله، وموعظة لكل لاهية في زينتها، ومستهترة بدينها وعاصية لربها ومن له الحق عليها. جعلنا الله في جوار من كان لهن قدم الصدق والسبق عند الله آمين. والحمد لله رب العالمين

الاثنين، 12 نوفمبر، 2012

الداعية السعودي قتل ابنته ذات الخمس سنوات «شكًا في سلوكها»


حقوقية: الداعية السعودي قتل ابنته ذات الخمس سنوات «شكًا في سلوكها»

قالت عضوة جمعية حقوق الإنسان الدكتورة سهيلة زين العابدين حمّاد، في حوار مع صحيفة «سبق» السعودية إن الداعية قتل طفلته لأنه يشك في سلوكها، وتساءلت :«أعرف كيف يشك في سلوكها وهي طفلة عمرها 5 سنوات، وأي مبرر لكل هذا التعذيب الذي أدى إلى وفاتها؟، لافتةً إلى أنه تم التأكد من عذريتها.
وذكرت سهيلة زين العابدين أنها تخشى أن يقولوا إن والد الضحية يعاني حالة نفسية وتتم إحالته للمستشفى ويفلت من العقاب، أو أن يتم الحكم عليه بالسجن والجلد ولا يقتص منه، لأن الوالد حسب قاعدة فقهية واردة في كتاب المغني لابن قدامة «لا يقتل إن قتل ولده، ولكن تقتل الأم بقتلها ولدها».
واعتبرت أن «كلا الحكمين مع الأسف وإن حدث فسيزيد من هذه الجرائم في ظل عدم وجود العقاب الرادع»، مطالبة المعهد العالي للقضاء وكليات الشريعة بإعادة النظر في مناهجها الدراسية، بعد تصحيح المفاهيم للآيات القرآنية المتعلقة بالمرأة، وبالأحكام والعلاقات الأسرية والزوجية وعدم الاعتماد على اجتهادات فقهاء، أو مستندة إلى أحاديث ضعيفة وموضوعة وشاذة ومفردة ومرسلة، وغير مستندة إلى نصوصٍ قرآنية، وهؤلاء الفقهاء بشر قد يصيبون أو يخطئون.
وأضافت: «لو فرضنا أن والد (لمى) قام بضربها وفقاً لحديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن الصلاة «اضربوهم عليها لعشر»، فالضرب، وليس التعذيب وكسر الجمجمة والضلوع واليد، والكي بالنار لمن بلغوا عشر سنوات من أجل الصلاة، ولمى ابنة خمس سنوات ولا تجب عليها الصلاة، وتعذيبه لها لأنه شك في سلوكها غير مبرر البتة، فهذه طفلة لا تعرف ما هي العلاقات العاطفية أو الجنسية هل يعقل هذا؟.
كانت الطفلة (لمى) البالغة من العمر خمسة أعوام قد فارقت الحياة بعد معاناة مع المرض بسبب التعنيف المستمر الذي تعرضت له من قبل والدها «الداعية» الذى استخدم جميع أصناف التعذيب والتنكيل بها مما تسبب في فقدانها الوعي ودخولها غرفة العناية المركزة بمستشفى الشميسي بمدينة الرياض قبل عدة أيام.
وقد نقلت وسائل إعلام سعودية أنباء حول تأكيدات أمنية بإلقاء القبض على الداعية الإسلامي، والذى يعتقد أنه الداعية فيحان الغامدي، والد الطفلة السعودية المعنفة، كما أطلق عليها نشطاء تويتر، والتي لقت حتفها بعد تعذيبه لها، وإحالته الى هيئة التحقيق والادعاء العام للتحقيق معه.

الأحد، 11 نوفمبر، 2012

خديجة بنت خويلد سيرة عطرة وقدوة صالحة


بسم الله الرحمن الرحيم

خديجة بنت خويلد سيرة عطرة وقدوة صالحة
" خديجة بنت خويلد " .. اسم يتلألأ في تاريخ الإسلام - كما يتلألأ القمرُ ليلةَ البدر في أفق السماء -. "خديجة بنت خويلد" .. رمزُ الوفاء والصدق، والحكمة والعقل، والصبر والثبات.
تزوجت برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكانت نِعمَ الزوجُ لزوجِها؛ ملأت عليه كلَّ حياته؛ إذْ كانت دائمةَ المبادرةِ إلى مرضاته، لا ترى له رغبةً في شيءٍ إلا وأسرعتْ بما يُعينه على تحقيقِها. رأت إعجابَه بغلامِها - زيدِ بنِ حارثة -؛ فوهبته له. رأت تعلقَ قلبه بالخلوةِ في غار حراء - الليالي الطويلة قبيل البعثة -؛ فكانت تهيئُ له الزادَ، وترسل معه مَن يقوم برعايته دون أنْ يفسدَ خلوته. تفعل ذلك بنفسٍ راضية، مع أنَّ في خلوتِه بعيدًا عنها إضرارًا بها؛ فالزوجة تحبُّ قربَ زوجها منها - ولا سيما حين يرخي الليلُ سدوله؛ لتأنسَ به، وتطمئن إليه -.
وجاء المَلَك - فجأة -، ونزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فظنه الموت، أو الجنون، أو إحدى الدواهي العظيمة. فرجع إلى بيته مسرعًا، هلعًا، خائفًا. تلقته " خديجة " وهو على ذلك الحال مِن الفزع، فما كان موقفها؟ هل وجَدَتْها فرصةً للتشفِّي والانتقام مِن هذا الزوج كثيرِ البياتِ خارج المنزل؟ مِن هذا الزوجِ المنشغلِ عن زوجِه وبيتِه وبناتِه بتأملاتِه؟ أليس هذا ما ستفعله عامةُ النساء لو كنَّ في مكانِ " خديجة "؟
أما " خديجة "؛ فكانت طرازًا آخرَ مِن النساء، لا تشبههنَّ في نقصهنّ، ولا يشبِهْنَها في كمالِها. كانت تنظرُ بعينٍ بعيدةِ المدى، واسعةِ الأفق. كانت ذاتَ صفاءٍ نفسي، وشفافيةٍ بالغة ، كأنما تنظرُ إلى الغيب مِن وراءِ سِتر رقيق، كانت واثقةً مِن زوجها وصوابِ تصرفاته، تتنبأ له بنبأ عظيم. فأدركت سريعًا أنَّ عليها أنْ تحسمَ الأمرَ بسرعة، أنَّ عليها مهمة عظيمة، وهو طمأنة زوجِها، وتسكينه، وتهدئة روعه؛ فقالت - مستدلةً بالماضي على المستقبل -: ( كلا - واللهِ -، لا يخزيك الله - أبدًا -؛ إنك لَتَصِلُ الرحم، وتحملُ الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقرِي الضيف، وتعين على نوائبِ الدهر ).
لم تكتف بذلك؛ بل أخذت بيده وذهبت به إلى عالِم " مكةَ " بالكتاب الأول؛ إلى ابنِ عمِّها
" ورقةَ بنِ نوفل ". فقصَّ عليه خبرَه؛ فقام ورقةُ وقبّل رأسَ محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبشّره أنه نبيُّ هذه الأمة. وجاءت الرسالة، وأخذ - صلى الله عليه وسلم - يدعو قومَه إلى عبادة الله وحده. فطاشت أكبرُ العقول، وأذكاها. لكنّ خديجة بادرت إلى الإيمان؛ فكانت أولَ مَن آمن. صدّقتْ به حين كذّبه الناس، وآمنت به حين كفرَ به الناس.
وانطلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - ماضيًا في دعوتِه، قد أخذت عليه كلَّ همِّه، لا يفتأ عنها ليلاً ولا نهاراً. وزوجُه " خديجة " إلى جواره شامخةً شموخَ جبال " مكةَ " الشمّاء، لا تزعزعها الأهوال، ولا يميل بها خوفٌ ولا رجاء.
وجاء الحصارُ الآثم الغاشم - حصار (الشِّعب) - الذي استمر ثلاثَ سنوات، وتنتقل خديجةُ مع زوجِها - مع أنها ليست مِن بني هاشم -، وهي عجوز جاوزت ستين عاماً، قد شاب شعرُها ووهَن عظمُها، وخارتْ قوَّتُها، لكنَّ إيمانَها لا يزداد كلَّ يوم إلا شباباً، وثباتَها لا يزداد إلا صلابة. ها هي تبذل لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كلَّ ما تقدر. بذلت شبابَها ولسانها ومالَها وعمرَها وكلَّ شيء في سبيل مرضاةِ اللهِ وفي سبيلِ إتمام النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مسيرة دعوته.
انتهى الحصارُ الغاشم، ولكن بدأت رحلتُها مع المرض - مرض الموت -، وتأتيها البشارةُ من ربِّها قبل موتها كالجوائز التي تمنح للعظماء في أواخر أدوارهم. هذا جبريل - عليه السلام - يُبَلِّغُها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السلامَ مِنَ الله ، والسلامَ منه، ويبشِّرُها ببيتٍ في الجنة مِن قصب - أي مِن ذهب -، لا صخَبَ فيه، ولا نصب. بيت من ذهب، لا صخب فيه، ولا ضجيج؛ مقابل ما تحمَّلتْه مِن صخب المشركين والمستهزئين مِن رجال قريش ونسائها. وميزة أخرى في هذا القصر: أنْ لا نصَبَ عليها فيه، راحة تامة؛ مقابل ما تعبتْ في أيامِها الخالية؛ لقد شاركتْ رسولَ الدعوة فدفعتْ ثمنَ شراكَتِها كثيراً مِن الجهد والسهر والبذل والعطاء؛ فعوَّضَها ربُّها خيرَ عوض.
ثم جاء ملَك الموت، فقبض روحَها الطاهر، وحزِنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على فقدها حزناً عظيماً - وحقَّ له -؛ حيث فَقدَ فيها الزوجَ الحنون، ورفيقةَ درب مدة ربع قرن، فقدَ العضدَ والنصير الداخليَّ الذي كان يخفف مِن أحزانه، ويمسح عنه غمومَه، وما أكثرها على النبي - صلى الله عليه وسلم- في تلك الفترة، حتى قال له ربُّه: {فلعلك باخِعٌ نفسَك}؛ أي: لعلك مهْلِكٌ نفسَك حزناً على عدم إيمان قومك.
مرت السنون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد موتِ خديجة، لكنه لم ينسَها، لم يُشغله عن ذكراها أعباء الدعوة، ولا هول الحروب، ولا الانشغال بتدبير بيوت عشر زوجات في وقت واحد، كان معها على غايةِ الوفاء، ومِن صورِ وفائه إكرامِه لصديقاتها، فما ذبح شاةً إلا وأرسل إليهنّ؛ إكراماً لذكرى خديجة. وجاءته - مرةً - عجوز؛ فهَشَّ لها وأقبل عليها، وأكرمها، فتعجبت " عائشة " مِن هذه الحفاوة ؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: إنها صديقة خديجة. وكان قلبُه يخفق حين يفجؤه ما يذكِّرُه بخديجة. ها هي " هالة بنت خويلد " تستأذن عليه - فجأة -؛ فسمع صوتَها، وذكَرَ فيه صوتَ " خديجة "؛ فهبَّ قائماً، وقال: " اللهم هالة، اللهم هالة " - أي: اللهم اجعلها هالة -.
ويتوج النبي - صلى الله عليه وسلم - " خديجة " بتيجان لا تبليها الأيام. لقد جعلها - صلى الله عليه وسلم - في مصاف " مريم بنت عمران "؛ حيث يقول: " خير نسائها - يعني الجنة -: مريم بنت عمران، وخير نسائها: خديجة بنت خويلد ". ويقول مبيناً بلوغَها قمةً في الكمال لم تبلغه مِن نساء العالمين إلا القليل: " كمُلَ مِن الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحِم ". وسمع مرةً فيها بعضَ ما يكره بدافع الغِيرة مِن بعضِ زوجاتِه - بعد موتِها بزمن-؛ فهبَّ مدافعاً عنها ذاكراً لجميلها، مُحيّياً لبعض فضائلها: " صدقتْني إذْ كذّبني الناس، وآمنتْ بي إذْ كفر بي الناس، وواستني بمالِها إذْ حرمني الناس، وكانت .. وكانت ..، وكان لي منها ولد ".
فرضيَ اللهُ عن خديجة، وأخذ بنواصي نساءِ الإسلام ليتخذن منها قدوةً وأسوة. وصلى الله وسلم على هذا النبيِّ الوفيِّ الكريم.

علي بن يحيى الحدادي
الرياض